الشيخ محمد الطاهر ابن عاشور
103
تفسير التحرير والتنوير ( تفسير ابن عاشور )
أنذرهم بعذاب يحلّ بهم توقع أنهم سيقولون على سبيل الاستهزاء أرنا العذاب الذي تخوفنا به وعجّله لنا . وبعض المفسرين ذكر أنهم قالوه فلوحظ ذلك وفرع عليه استفهام تعجيبي من استعجالهم ما في تأخيره والنظرة به رأفة بهم واستبقاء لهم حينا . والفاء في قوله : فَإِذا نَزَلَ بِساحَتِهِمْ فاء الفصيحة ، أي إن كانوا يستعجلون بالعذاب فإذا نزل بهم فبئس وقت نزوله . وإسناد النزول إلى العذاب وجعله في ساحتهم استعارة تمثيلية مكنية ، شبهت هيئة حصول العذاب لهم بعد ما أنذروا به فلم يعبئوا بهيئة نزول جيش عدوّ في ساحتهم بعد أن أنذرهم به النذير العريان فلم يأخذوا أهبتهم حتى أناخ بهم . وذكر الصباح لأنه من علائق الهيئة المشبه بها فإن شأن الغارة أن تكون في الصباح ولذلك كان نذير المجيء بغارة عدوّ ينادي : يا صباحاه ! نداء ندبة وتفجع . ولذلك جعل جواب « إذا » قوله : فَساءَ صَباحُ الْمُنْذَرِينَ أي بئس الصباح صباحهم . وفي وصفهم ب الْمُنْذَرِينَ ترشيح للتمثيل وتورية في اللفظ لأن المشبهين منذرون من اللّه بالعذاب . والذين يسوء صباحهم عند الغارة هم المهزومون فكأنه قيل : فإذا نزل بساحتهم كانوا مغلوبين . وهذا التمثيل قابل لتفريق أجزائه في التشبيه بأن يشبه العذاب بالجيش ، وحلوله بهم بنزول الجيش بساحة قوم وما يلحقهم من ضر العذاب بضر الهزيمة ، ووقت نزول العذاب بهم بتصبيح العدوّ محلة قوم . قال في « الكشاف » : « وما فصحت هذه الآية ولا كانت لها الروعة التي تحس بها ويروقك موردها على نفسك وطبعك إلّا لمجيئها على طريقة التمثيل » . واعلم أن في اختيار هذا التمثيل البديع معنى بديعا من الإيماء إلى أن العذاب الذي وعدوه هو ما أصابهم يوم بدر من قتل وأسر على طريقة التورية . [ 178 - 179 ] [ سورة الصافات ( 37 ) : الآيات 178 إلى 179 ] وَتَوَلَّ عَنْهُمْ حَتَّى حِينٍ ( 178 ) وَأَبْصِرْ فَسَوْفَ يُبْصِرُونَ ( 179 ) عطف على جملة فَإِذا نَزَلَ بِساحَتِهِمْ [ الصافات : 177 ] الآية لأن معنى المعطوف عليها الوعد بأن اللّه سينتقم منهم فعطف عليه أمره رسوله صلّى اللّه عليه وسلم بأن لا يهتمّ بعنادهم . وهذه نظير التي سبقتها المفرعة بالفاء فلذلك يحصل منها تأكيد نظيرتها ، على أنه قد